محمد العامري الغزي

260

المطالع البدرية في المنازل الرومية

ولا نصدق ، فحين ظهر دليله وبان ، وقام بوجوده البرهان ، ترحّلنا من ذلك الخان ، وفارقنا ذلك المكان ، وسرنا نقتفي البيداء ، ونعتلي كل ثنية جرداء ، والشمس محجوبة عن الأبصار ، والمطر تجلبه إلى تلك الأمصار من جنود السحاب أنصار ، ومن [ 137 أ ] بعوث الرياح إعصار ، والنفوس منحصرة من ذلك غاية الانحصار ، فلما تعالى النهار ، انبثق ريق « 1 » بناء ذلك الغيم عن مائه وانهار ، وأرسل إلى الأرض مطرا كالأنهار ، فصيّر كل قرارة حفيرا ، وغادر كل ربوة غديرا ، وخطّ كل طريق خطا ، وجعل كل جانب شطا ، وكثرت بالأوحال الأوجال ، ولم يبق للنفوس في ميادين الصّبر مجال ، ولم نزل نسير على تلك الأحوال ، وأكفّنا مرفوعة بالدّعاء والابتهال ، إلى أن وصلنا بلدة أسكودار « 2 » وقت الزوال ، فذهب ذلك الكرب وزال ، ثم نزلنا في المعديّة قاصدين المدينة العظمى قسطنطينيّة ، ولما ( فرغنا من الأرض وصحوها ومسراها وممشاها ) « 3 » وضمت إلينا تلك السفينة ودخلناها قلنا لمن معنا ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ « 4 » فرحمنا الله بريح موافق مستقيم تسخر لنا به ذلك البحر ، فامتطينا بركوبها مطاه ، [ 137 ب ] وتذلل لنا فصفعنا بأجنحتها قفاه ، ولم تزل تسير بنا ونحن قعود ، وقد خدمتنا في هذه الخطرة السعود ، وأنجزت لنا ببلوغ المقصود الوعود ، فوصلنا أصيل ذلك اليوم إلى الساحل ، وانطوت بحمد الله شقة تلك المراحل . ثم دخلنا المدينة ، وحصلت إن شاء الله تعالى الطمأنينة ، وكان استقرارنا بالمنزل الذي أفرده لنا السيّد وتفضّل ، وذلك النهار الذي هو يوم الخميس ثاني عشر الشهر قد تحوّل ، والليل الذي هو مسفر عن يوم الجمعة قد عوّل ، والقلب يصبو لمنازله ولا كأوّل

--> ( 1 ) هكذا وردت في جميع النسخ ولعل صوابها « رتق » . ( 2 ) تقدم التعريف بها ، وهي مدينة كبيرة على بحر مرمرة ، وهي أحد أقسام ( أحياء ) مدينة القسطنطينيّة ، وكانت مركزا هاما من مراكز التصوف في الدولة العثمانية ( رحلة الشتاء والصيف 187 ، رحلة الخياري 1 : 239 ، المنح الرحمانية 155 ) . ( 3 ) ما بين القوسين ساقط من الأصل ، وكتب في ( م ) على الهامش . ( 4 ) سورة هود آية 41 .